عيد الغدير: ثقافة إنسانية كاملة الابعاد


ليس هناك أفضل من التاريخ كشاهد إثبات يمكن الاعتماد عليه في إحقاق الحق، خصوصا عندما يكون رصينا صادقا ومدعوما بالوثائق أو الأدلة التي لا تقبل الخطأ، وهناك نوعان من التدوين التاريخي، نوع يكتبه مؤرخون أمناء لهم مكانتهم العلمية الكبيرة، وغالبا ما يكون هذا النوع مدعوما بالحقائق والإثباتات، ويوجد نوع آخر يدوّنه كتَبَة السلاطين، وهؤلاء هم رؤوس الأفاعي التي تلدغ (وتخفي رأسها) لكي تبعد الشبهات عنها، لكن الحقائق الكبرى لا يمكن أن تُحجَب بغربال.

ندلي بهذه الكلمات التمهيدية ونحن نعيش ذكرى عيد الغدير، وتنصيب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع)، خليفة على المسلمين من قبل الرسول الكريم (ص) بأمر من الله تعالى، لكننا للأسف كثيرا ما نلاحظ نوعاً من التجاهل الظالم (للغدير)، على الرغم من أنها (منظومة ثقافية متكاملة)، كان يمكن للمسلمين لو أنهم استغلوها على الوجه الأمثل أن يصبحوا من أعظم أمم العالم إن لم يكونوا أعظمها قاطبة، نعم فالغدير ثقافة متكاملة تقوم على الأركان الإنسانية التي تحترم كينونة البشر وتحميه من الانتهاك وتضمن حقوقه وحرياته المدنية وسواها.

وثمة قول لسماحة السيد المرجع صادق الشيرازي، يؤكد فيه على أن:

(الغدير ليست قضية أو واقعة فقط، بل هو ثقافة إنسانية كاملة في الأبعاد كافّة/ المصدر: كلمة سماحة المرجع الشيرازي بمناسبة عيد الغدير في 14 ذي الحجّة الحرام 1438 للهجرة (6/9/2017م).

هذه الثقافة تم تجسيدها عمليا إبّان قيادة الإمام علي (ع) للأمة، ففي مفاصل هذه القيادة ومحطاتها المعروفة، رسخت ثقافة الغدير من ملهمها الأول وقائدها الأعظم، وهي الثقافة القائمة على قواعد العدل السياسي والاجتماعي والحقوقي والمالي والصحي والتعليمي، بالنهاية هي ثقافة الإنسان المُصان من الخوف والامتهان والعوز والإذلال، وهي ثقافة حرية الرأي وحماية المعارضة، وهي ثقافة العدل بأبهى صوره، وهي أولا وأخيرا ثقافة السلام التي أثبتتها مواقف أمير المؤمنين الرافضة للحرب إلا عندما تكون دفاعا عن النفس، وبهذا يقول المنصفون من مؤرخي (الإستشراق، ومنهم روجيه غارودي) أن كل ما يتبجح به الغرب اليوم سبقهم إليه أمير المؤمنين (بثقافة الغدير)، التي قامت أساسا على مبدأ عدم سفك الدماء، ونبذ القتال والحرب إلا عندما يكون دفاعا عن النفس.

هذا الركن من ثقافة الغدير نلمسه في قول سماحة المرجع الشيرازي: (كان الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يتجنّب الحروب وإراقة الدماء/ المصدر السابق).

وأخذ بهذه الثقافة وأركانها عدد من مراجع التقليد الأعلام الشيعة ورجالات الدين وجعلوا من منهج الإمام علي عليه السلام طريقا لهم، ونشطوا في نشر وتثبيت أركان هذه الثقافة، خصوصا بين الشباب، وحدث نتيجة لذلك حملات متواصلة لترصين العقائد وحماية العقول من الثقافات الوافدة، كما أن هذه الثقافة ساعدت قادة الجماهير من المراجع العظام على مقارعة الاستعمار الانكليزي في العراق كما حدث في زمن قائد ثورة العشرين الميرزا محمد تقي الشيرازي الذي ألحق هزيمة نكراء بالمستعمر الانكليزي.

وقد أكد السيد المرجع الشيرازي هذا الحدث الجلل حين قال سماحته: (يمكن أن نجد ثقافة الغدير في سيرة وحياة مراجع التقليد الأعلام الشيعة الذين ساروا على نهج الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. ومن هؤلاء الأكابر، الميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين المجيدة التي دحرت الاستعمار البريطاني في العراق).

ومن الفوائد العظيمة لمثل هذه المناسبات، كمناسبة الغدير، أنها تهب المسلمين فرصا جديدة للتقدم، فهذه الثقافة ذات المبادئ العادلة تحضّ المسلمين على تصحيح منهجهم في إدارة أنفسهم ودولهم وثرواتهم وتدعوهم الى تعديل سياساتهم، بالإضافة الى تكون ثروة فكرية تزيد من نواصي العلم وترفع من مستويات التفكير والابتكار لدى شباب المسلمين، يحدث هذا في حالة حفظ ثقافة الغدير كمنظومة فكرية ثقافية مبدئية متكاملة، يتصدى لمسؤولية نشرها جميع القادرين على المضيّ قُدُماً في هذا الدرب الشاق والطويل والذي يستدعي صبرا وجهودا لا مفرّ من تقديمها في هذا المضمار الهام.

لاسيما وأن سماحة المرجع الشيرازي قال أن هنالك: (مسؤوليتان تقع على عاتقنا تجاه الغدير:

الأولى: تبليغ الغدير وإيصاله للعالمين، كما أكّد على هذا الأمر المهم مولانا النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله في خطبته الشريفة في غدير خم بقوله (فليبلّغ). فمن كانت له الإمكانية والقدرة على التبليغ اليوم ويقصّر أو يتهاون تجاه ثقافة الغدير وفي إيصالها للعالمين، سيكون مشمولاً للخذلان الذي دعا به رسول الله صلى الله عليه وآله/ المصدر السابق).

وتبدر وصية ثانية لسماحته وهي ذات طابع سياسي، لأنها تخص السياسيين، أكد عليها السيد صادق الشيرازي فقال فيها: (أدعو كافة حكومات الدنيا إلى مراجعة ثقافة الغدير، وأن يجعلوا هذه الثقافة الفريدة الراقية نصب أعينهم وأعمالهم. فثقافة الغدير لم تصل للعالم كلّه، وسببه هو التقصير في هذا المجال أو العمل القليل/ المصدر السابق).

وهناك خلل في التوصيل، هو الذي جعل من ثقافة الغدير غير معروفة كما يجب، فالعلماء يجب أن يسعوا بكل ما يمتلكون من طاقة على توصيل هذه الثقافة ونشرها وتسهيل عملية تطبيقها، وعلى الشباب أيضا أن يستوعبوا هذه الثقافة ويعملوا في ضوئها، كذلك هناك مسؤولية قصوى تقع على عاتق الأثرياء، فعلى هذه الجهات الثلاث أن تبتعد عن الخذلان الذي حذر منه الرسول الكريم (ص) في حديث شريف، ركّز على أهمية نشر ثقافة الغدير.

وقد أوجز الرجع الشيرازي هذه المسؤوليات والفئات التي تقع على عاتقها، فبيّن سماحته: (إنّ إحياء ثقافة الغدير ونشرها، مسؤولية تقع على عاتق ثلاث فئات، أكثر من غيرهم، وهم: الأولى: علماء الدين. الثانية: الشباب. الثالثة: أصحاب الثروة والقدرة. فعليهم أن لا يقصّروا في هذا المجال،حتى لا يشملهم دعاء مولانا نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، أي الخذلان/ مصدر سابق).


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (اهل البيت)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك